بقلم حسن النجار: الصبر المصري الجميل قوة وحكمة استراتيجية
حسن النجار الكاتب الصحفي والمفكر السياسي في الشؤون السياسية الدولية
الوطن اليوم الاخبارية – من القاهرة – شؤون سياسية – 9 مارس 2026
بقلم : حسن النجار
في خضم التوترات الإقليمية المتصاعدة والصراعات التي تحيط بالمنطقة من كل اتجاه، تبرز مصر بوصفها نموذجًا للاستقرار والاتزان السياسي، مستندة إلى رؤية استراتيجية تقوم على مزيج من القوة والحكمة فيما يمكن وصفه بـ”الصبر الجميل” الذي تتبناه الدولة المصرية في إدارة الملفات الإقليمية المعقدة.
فخلال السنوات الأخيرة، واجهت مصر تحديات غير مسبوقة، شملت تهديدات أمنية واقتصادية ومحاولات لزعزعة استقرار الدولة وإسقاط مؤسساتها، إلى جانب مخططات لاستنزاف قدراتها عبر إشعال الأزمات في محيطها الجغرافي.
ومع ذلك، استطاعت القاهرة التعامل مع هذه التحديات بحسابات دقيقة وتقديرات استراتيجية جنبتها الانجرار إلى صراعات مباشرة قد تؤدي إلى تداعيات كارثية على الدولة والمنطقة.
وتؤكد التجارب التاريخية أن الاندفاع غير المحسوب والشعارات الحماسية لم تكن يومًا سبيلًا لتحقيق المصالح الوطنية، بل كلفت الدول أثمانًا باهظة على المستويات العسكرية والاقتصادية والأمنية.
لذلك تبنت مصر في السنوات الأخيرة نهجًا مختلفًا يقوم على التوازن الاستراتيجي وتقدير المواقف بدقة، بما يحفظ الأمن القومي ويصون مقدرات الدولة.
ومنذ عام 2014، انطلقت الدولة المصرية في مشروع شامل لإعادة بناء مؤسساتها وتعزيز قدراتها، عبر مكافحة الإرهاب واستعادة الاستقرار الداخلي، بالتوازي مع إطلاق خطط تنموية واسعة شملت مختلف القطاعات.
وكان تطوير القوات المسلحة وتحديث قدراتها القتالية أحد أهم ركائز هذه الرؤية، بهدف تعزيز الردع الاستراتيجي وحماية الحدود وتأمين المصالح المصرية.
كما لعبت مصر دورًا محوريًا في العديد من القضايا الإقليمية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، حيث تمسكت القاهرة بموقفها الرافض لأي محاولات لتصفية القضية أو تهجير الفلسطينيين، خاصة إلى سيناء، وهو ما يعكس ثوابت السياسة المصرية في حماية الأمن القومي والدفاع عن الحقوق العربية.
وفي الوقت ذاته، تؤكد القاهرة تمسكها بمبدأ الحلول السياسية والحوار كخيار أساسي لتسوية النزاعات، انطلاقًا من إدراكها لحجم الخسائر التي تخلفها الحروب والصراعات المسلحة على الدول والشعوب.
ويرى مراقبون أن موقع مصر الجغرافي وسط بؤر توتر إقليمية متصاعدة يجعلها أشبه بـ”جزيرة استقرار” في محيط مضطرب، وهو ما يعزز من مكانتها كقوة إقليمية قادرة على لعب دور محوري في تحقيق التوازن والاستقرار في الشرق الأوسط.
وفي ظل التحولات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة، قد تفتح هذه المتغيرات آفاقًا جديدة أمام مصر لتعزيز دورها السياسي والاقتصادي، خاصة مع تزايد الحاجة الإقليمية والدولية إلى دول مستقرة تمتلك رؤية واضحة وقدرة على إدارة الأزمات بحكمة.
وفي المحصلة، فإن ما يوصف بـ”الصبر المصري الجميل” لا يعكس حالة من التردد أو الضعف، بل يعبر عن استراتيجية واعية تقوم على الجمع بين القوة والاتزان، بما يضمن حماية المصالح الوطنية وتجنب الانجرار إلى صراعات غير محسوبة العواقب.







